القاضي عبد الجبار الهمذاني

244

شرح الأصول الخمسة

من جهتنا ومتعلقة بنا ، وإن كان يجب أن تكون الأباطيل كلها من قبله فيكون مبطلا كاذبا تعالى عما يقولون علوا كبيرا . وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ : ومن ذلك ، قوله تعالى وتنزه وتقدس وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] وهذا يدل على أن اللّه تعالى لا يريد من العباد إلا العبادة والطاعة ، لأن هذه اللام لام الغرض ، الذي يسميه أهل اللغة : لام كي ، بدليل أنهم لا يفصلون بين قول القائل : دخلت بغداد لطلب العلم ، وبين قوله دخلت وغرضي طلب العلم . ويدل أيضا على أن هذه الأفعال محدثة من جهتنا ومتعلقة بنا ، وإلا كان لا معنى لهذا الكلام . الكلام في الكسب : ثم إنه رحمه اللّه ، تكلم في الكسب وما يتصل بذلك . فقد علم عقلا وسمعا فساد ما تقوله المجبرة المدبرة الذين ينسبون أفعال العباد إلى اللّه تعالى . وجملة القول في ذلك ، أن تصرفاتنا محتاجة إلينا ومتعلقة بنا لحدوثها . وعند جهم بن صفوان أنها لا تتعلق بنا ، ويقول إنما نحن كالظروف لها حتى إن خلق فينا كان ، وإن لم يخلق لم يكن . وعند ضرار بن عمرو أنها متعلقة بنا ومحتاجة إلينا ، ولكن جهة الحاجة إنما هو الكسب ، وقد شارك جهما في المذهب ، وزاد عليه في الإحالة ، لأن ما ذكره جهم على فساد معقول ، وما ذكره هو غير معقول أصلا . فأما المتخلفون من المجبرة ، فقد قسموا التصرفات قسمين : فجعلوا أحد القسمين متعلقا بنا وهو المباشر ، والقسم الآخر غير متعلق بنا وهو المتولد . فشاركوا الأولين في المذهب ، وزادوا عليهم في الإحالة ، حيث فصلوا بين المباشر المتولد ، مع أنه لا سبيل إلى الفصل بينهما . ونحن قبل الاشتغال بإفساد هذا المذهب نبين حقيقة الكسب .